الأحد، 26 أغسطس 2012

تابع المؤامرة العالمية الكبرى ضد ليبيا خلال السنوات (1914 – 1923) الحلقة التاسعة


تابع المؤامرة العالمية الكبرى ضد ليبيا
خلال السنوات (19141923)
الحلقة التاسعة                                             بقلم : إبراهيم السنوسي أمنينه
16-8-2012                                                                                                                                 
... أخذت معارضة الزعماء الطرابلسيين للسنوسيين تزداد حدّة وبشكل خاص بعد أن صار صفي الدين ، بعد انتصار المجاهدين من الأقاليم الثلاثة طرابلس وبرقة وفزّان على الجيوش الإيطالية المحتلة في معركة القرضابية – أصبح يشعر بعد ذلك الانتصار، بأنه الحاكم المطلق في مصراته وبني وليد، وأخذ يفرض الضرائب بصورة مستقلة على سكان هاتين البلدتين التابعتين لإقليم طرابلس، (فمثلاً على الجمل الواحد 50 فرنكاً، وحوالي نصف هذا المبلغ على البقرة وذلك بالإضافة للأعشار) وقد تصدّى رمضان السويحلي بشدة لذلك التصرف، وكان ذلك واحداً من أسباب النزاع بين الزعيمين (الطاهر الزاوي – كتاب عمر المختار – 1970 ص – 54) . وانضم معارضو رمضان السويحلي إلى صفي الدين السنوسي ووحّدوا قواهم لتجريده من منصب رئيس الدولة بينما كان أنصاره يطالبون بأبعاد صفي الدين عن مصراته (كحامل لعقيدة السنوسيين المعادية لهم ؟؟) .
وكان علي السيد صفي الدين أن ينتقل إلى ترهونة حيث عقد إجتماعاً لزعماء القبائل، والشخصيات الدينية في المناطق الغربية من طرابلس . وخلال الاجتماع اقترح (أحمد الكوافي) نائب صفي الدين في بني وليد تصفية رمضان السويحلي لكن غالبية الزعماء الطرابلسيين لم يوافقوا على ذلك الاقتراح بل قرّروا أن يستوضحوا ظروف النزاع من رمضان السيحلي نفسه. وقد أعلن هذا الأخير موافقته على إمدادات قوات صفي الدين بالتموين في النضال الموحّد ضد العدو المشترك . وقد رفض صفي الدين بقبول هذا الشرط، وأصر على المطالبة بتنحية رمضان السويحلي . وإذ ذاك استغل رمضان عودة زعماء القبائل إلى منازلهم، وكان أول من جرّد سلاحه (يعني سحب الأقسام بلغة عساكرالمقبور)، لكن صفي الدين تمكن من الاختفاء، أما أحمد الكوافي صاحب اقتراح تصفية رمضان السويحلي فقد ألقي القبض عليه في بني ليد وتم اعدامه وتبع ذلك طرد السنوسيين كافة من إقليم طرابلس .
وفي شهر فبراير 1916 وصل صفي الدين إلى (سرت)، وعلى هذه الصورة انتهت نتائج تصرفات السنوسيين وتصرفات رمضان السويحلي، كل هذا كان من ثمار انتصارات معركة القرضابية، وسوء استغلالها من الجانبين السويحلي والسنوسي ومن والاهما .
غير أنه من الممكن تفسير إخفاق السنوسيين إلى حد كبير لكون طرابلس من الناحية الاقتصادية منطقة أكثر تقدماً (مقارنة مع برقة) وكان غالبية سكانها من الحضر (كما جاء في كتاب : ليبيا العربية كأنك تعيش فيها – تأليف الأستاذ ممدوح حقي – 1962 – القاهرة – ص 70) وكان فيها كثير من أهالي المدن، من أنصار الإسلام (الرسمي)، وكان أهل طرابلس المتمدينون أعلى ثقافة، ولذلك كان نمط التفكير البدوي غريباً عليهم، وأخيراً فإن مدينة طرابلس كانت مركز الوالي، فكانت هي التي تصدر القرارات إلى جميع الأمصار، ومنها كان يُوجّه الموظفون إلى الخدمة في المراكز العسكرية والإدارية، فكان الطرابلسيون حريصين على القيادة، ولم يكونوا راغبين في التنازل عنها، وبالإضافة إلى هذا، فإن الصدام المسلح بين السويحلي وصفي الدين، بدّد الأسطورة القائلة بمناعة العسكرية السنوسية ضد الهزيمة لادعائها بأنها محميّة بقوة (البركة) (حسب ما يفكّر ويعتقد السيد ممدوح حقي في الصفحة 79 من كتابه المنوّه عنه أعلاه) وأنا، كاتب هذا المقال لا أوافقه الرأي في هذه الجزئية، إذ كان الأجدر بالأستاذ ممدوح أن يستبدل عبارة بقوة البركة، بعبارة : بقوة الإرادة والعزيمة والإيمان في النضال بالكفاح ضد المحتل الغازي الكافر لأراضي المؤمنين وقول الله تعالى : ﴿ وكان حقاً علينا نصر المؤمنين (الروم ،  آية :  30)
انتهى تعليق الكاتب .
أدت العمليات العدائية بين الطرابلسيين والبرقاويين إلى إضعاف التعاون المتبادل بينهما في النضال ضد (الامبرياليين) . وفي سنة 1915 كان على أحمد الشريف أن يختار بين أمرين : أن يركّز جميع قواته إما من أجل القيام بهجوم على مصر أو للنضال ضد الاحتلال الإيطالي .
أما الحياد الذي طالب به الانجليز . فكان من شأنه أن يبقى مصر مصدراً لتموين ليبيا بالمواد الغذائية والمصنعة – بينما كان دعم تركيا يبشّر ليبيا بإمكانية الحصول على إستقلال نسبي أو ذاتي وبالتحرّر من الإحتلال الإيطالي الشامل . وبكلمة أخرى فقد وقع أحمد الشريف في شراك معقدة إلى حدّ كبير ولم تسعفه مسيرة الأحداث ولا التوزع النهائي للقوى المتصارعة (في مايو سنة 1915 دخلت إيطاليا الحرب إلى جانب دول الائتلاف، بينما كانت تركيا ما تزال تخوض الحرب إلى جانب دول الحلف الثلاثي) فلم تسعف الأحداث أحمد الشريف والوضع كما هو عليه الآن بالقدرة على الحسم فآثر الإحجام على اتخاذ أي قرار . 
ويورد الدكتور محمد فؤاد شكري في كتابه (السنوسية دين ودولة – دار الفكر العربي – 1948 – ص 167) – يورد حديثاً لأحمد الشريف مع الضابط المصري محمد صالح حرب، وفيه يصارح بعلاقته بالانجليز والأتراك .
فقال السيد أحمد الشريف :
(إن الأتراك إنما يريدون أن يورطوه في حرب مع الانجليز قبل أن يستعد لها الاستعداد الكافي، أنه لا يمالئ الانجليز (محبة فيهم أو تقرّباً منهم) ولكن مصر هي (الباب الوحيد المفتوح) الذي تأتينا منه الأرزاق والأقوات التي نستطيع بفضلها متابعة القتال ضد الطليان، فإذا أقفل هذا الباب تحرّج موقفنا، وإننا، يتابع أحمد الشريف القول، لم نستدع الأتراك إلى ليبيا إلا ليجلبوا معهم الإمدادات الكافية والتي يكون فيها الغني عن ذلك الباب المفتوح، ولكن هؤلاء حضروا وليس معهم أية إمدادات أو أرزاق أو مال، ومع ذلك فهم يطالبوننا كل يوم بالقيام بحركة يلحّون بهذا الطلب، مع العلم أن بدء الحركة قبل أن يحين الوقت الملائم لذلك يعود بالشرّ والوبال على الجميع) (وكانت هذه الظروف هي نفسها التي حتمت على إدريس السنوسي توقيع إتفاقيتي الزويتينة وعكرمه مع الإيطاليين ورفض المجاهدين لذلك ومن ثم سفر إدريس إلى مصر) .
ويختتم السيد أحمد الشريف قوله : (أنني أصرّح بأنه لا سلاح ولا ذخيرة ولا مال ولا أرزاق كافية لدينا، وأنه ليس في نيتي أن أحارب الإنجليز) . ولم يكن نوري بك، وهو شقيق الضابط التركي أنور باشا، ولا الأتراك ولا الألمان يضيّعون فرصة ولا يدخرون وسيلة من أجل استمالة مشاعرهم الدينية بمهارة، يساعدهم في ذلك أن تركيا كانت لا تزال قوية النفوذ في برقة.  
     ؛؛؛؛ وإلى اللقاء في الحلقة القادمة

الخميس، 16 أغسطس 2012

تابع المؤامرة الكبرى على ليبيا خلال الأعوام (1914-1923) الحلقة الثامنة



تابع المؤامرة الكبرى على ليبيا
خلال الأعوام (1914-1923)
الحلقة الثامنة                                  م : إبراهيم السنوسي أمنينه                                                                                                                               
16-8-2012  
وبتاريخ 5/6/1915 أي بعد معركة القرضابية بدأ الإيطاليون انسحاباً جماعياً من منطقة طرابلس وصار المجاهدون يسدّدون ضربات أشدّ فتكاً، وقد دُمرت حامية ترهونة بجنودها الإيطاليين تدميراً كاملاً خلال انسحابها نحو البحر، أما الوحدات التي كانت متمركزة في بني وليد فاستسلمت دون مقاومة، أما حامية غريان فتراجعت إلى منطقة العزيزية ثم إلى طرابلس، وتم إجلاء 4500 جندي وضابط إيطالي عن مصراته إلى ميناء (قصر حمد)، أي مصراته البحرية .
أما حامية (زوارة) فقد تم إجلاء من فيها من عسكر بطريق البحر . وفي الأول من شهر أغسطس لم يكن الجيش الإيطالي، الذي يعدّ 40 ألفاً يمسكون إلاّ ببلدات الخمس وقصر حمد وتاجورا وطرابلس وهي البلدات الساحلية، وتكبّد الإيطاليون خسائر كبرى بين قتيل وجريح وأسير، وغنم المجاهدون كميات كبيرة من العتاد والعُدة والألبسة .  (ص LONDON - 1969-P. 136 - J. Wright –)
ولكي تبرّر روما هزيمتها بطريقة من الطرق، أعلنت بأن دخولها الحرب ضد الدولة النمساوية المجرية خلال شهر مايو 1915، لم يسمح لها بإرسال التعزيزات الكافية إلى طرابلس .
ولم يطل الوقت بهزيمتهم في طرابلس حتى انعكس الأمر على الوضع في برقة فأصدرت القيادة الإيطالية الأوامر بنقل الجيوش نحو الشمال وتركيزها في المناطق السكنية الكبرى، ونتيجة لذلك انحسرت الحاميات الإيطالية داخل شريط ساحلي لا يزيد عرضه على 35 كم وكانت النتيجة المباشرة لمعركة القرضابية هي إمكانية تحقيق فكرة رمضان السويحلي حول تشكيل أو تأسيس حكومة محلية في (مصراته) وإعادة بناء الجيش الشعبي ليكون جيشاً نظامياً . وبدأ تطبيق هذه الخطة بعد أن أُجلى الإيطاليون عن (قصر حمد) يوم 5/8/1915 .
كانت الحكومة التي شكلها رمضان السويحلي تعتمد في نشاطها على تنظيم العلماء برئاسة المفتي، الشيخ أبو الأسعاد العالم ، وكان رمضان السويحلي يركّز السلطة التنفيذية في يديه، كما شكّل بيت المال حيث كان يحفظ غنائم الحرب مع المحتل الإيطالي، كما أُلحق به قسم خاص بالحسابات المتعلقة بالواردات والمصاريف كما نظّم جهاز الشرطة واستتب النظام في منطقة مصراته وساد الهدوء – (أو هكذا تراءى للمراقبين) .
غير أن رمضان السويحلي كان يرمي إلى أكثر من ذلك – إلى توحيد (ولاية) طرابلس كلها تحت إمرته، وكان الوضع المتكوّن في طرابلس يساعد على ذلك .
فالسرعة الخاطفة التي كان يتم بها الانسحاب الإيطالي من الدواخل أوجد (فراغاً في السلطة)، كما كان عدد من زعماء طرابلس يرغبون في استلام السلطة وبدت البلاد مشرفة على حرب بين الأطراف ويمكن أن تتطور إلى حرب اهلية على الزعامة أو كرّ بعد فرّ من قبل العدو يؤدي إلى استسلام الثوار ووضعهم السلاح (كان ذلك حادث في القرن الماضي في العام 1915 – وما أشبه الليلة بالبارحة – وهو واقع أشبه ما يكون بحراك اليوم في شرق ليبيا وغربها بزعاماته وتياراته بعد مرور نحو قرن من الزمان وكلنا أمل في ألا يتطور إلى التدخلات الخارجية المؤدية حتماً إلى تقسيم البلاد وصوملتها - (بالتعبير المعاصر) لا قدّر الله) .
في الوقت الذي كان رمضان السويحلي يطمح إلى بسط نفوذه على طرابلس برمّتها، كما ألسفنا، فانه لم يكن يريد أن يقتسم السلطة مع زعماء السنوسية، لذلك كان ضد فكرة واقع تمركزهم بالقرب من (ممتلكاته) في مصراته – أي سرت ما جاورها جنوباً وغرباً وفي طرابلس (كمنطقة) كانت نجاحات او مؤثرات (السنوسيين) طفيفة ولا أثر لها تقريباً . (لا سيّما في الجزء الساحلي من منطقة طرابلس، حيث كان يسود النهج الإسلامي الصارم، وينشط عدد من الطرائق كالقادرية مثلاً) لكن بعد انتصار الطرابلسيين على الطليان وتعيين السيد أحمد الشريف نائباً للسلطان في شمال أفريقيا انفتحت أمام السنوسيين إمكانيات جديدة للتغلغل في طرابلس، فوجّه إليها السيد أحمد الشريف شقيقه الأصغر صفي الدين الذي راح يخوض صراعاً دءوباً من أجل تثبيت النظام في المناطق الحدودية بين طرابلس وبرقة . قد لقيت دعوته – أي صفي الدين – التي راح ينادي بها من أجل الإصلاح الاجتماعي صدىً لدى الأهالي، وبالنتيجة رسّخ السنوسيون أقدامهم في منطقة سرت وأقاموا هناك (زاوية النوفلية) .
وبعد انتصار القوى المتحدة لبرقة وطرابلس في القرضابية تهيأت الشروط الموضوعية من أجل تنسيق الأعمال المشتركة ضد المحتل الإيطالي .
وخوفاً من تحقيق ذلك أخذت روما تكثف جهودها الرامية لإشعال الحرب ؟ الأهلية التي هي تحت الرماد آنئذٍ فعلاً، فراح الإيطاليون يلعبون بمهارة على أوتار "خشية رجال الإقطاع الطرابلسيين (الأثرياء أبناء المدن) من الوقوع تحت سلطة الفئة الإقطاعية – الدينية العليا للسنوسيين ومن فقدانهم بالتالي لحقوقهم وامتيازاتهم، وكان رمضان السويحلي يبطن كراهية من نوع خاص للسنوسيين، ويفكّر بأن يتولى بنفسه رئاسة الحكومة المحلية التي ينتوي إقامتها وتأسيسها .
           
   ؛؛؛؛ وإلى اللقاء في الحلقة القادمة

الأربعاء، 15 أغسطس 2012

تابع المؤامرة الكبرى على ليبيا خلال الأعوام (1914-1923) الحلقة السابعة


تابع المؤامرة الكبرى على ليبيا
خلال الأعوام (1914-1923)
الحلقة السابعة                             بقلم : إبراهيم السنوسي أمنينه                                                                                                                               
15-8-2012  
... وفي فبراير 1915 لم يعد بيد الإيطاليين غير خط مزدهنالوت (وكانت السلطات الإيطالية قد قامت في مارس 1914 ، أي منذ عام تقريباً بتوجيه فرقة من جيشها ضد الجنود السنوسيين في الجنوب الليبي لكنها حُطمت جنوب مزده)
وفي 29 أبريل 1915 نشبت المعركة الشهيرة قرب مكان يُعرف (ببير القرضابيه) وهي (قصر بوهادي) في منطقة خليج سدره تعرف جغرافياً وتاريخياً بـ(منطقة السُّرت الكبير) فقد كان الإيطاليون يخططون منذ وقت لتدمير معسكر المجاهدين في (عين النوفليه) حيث كان يتجمع هؤلاء المجاهدون من منطقة طرابلس وبرقه ، وكان من بينهم مقاتلون من أولاد قبائل بوسيف وأولاد سليمان و(المغاربه) (المعروفين في برقه بضنا جبريل أحفاد حرب بن عقار وبن أبي الليل من سعده الزناتية) ، كل أولئك كانوا بقيادة السيد صفي الدين السنوسي ، (وهذه الجزئية التاريخية كان الطاغوت المقبور يسعى إلى طمسها من تاريخ الجهاد الليبي ولكن هيت لك) .
والآن لنتحدث بالتفصيل اللازم في تأريخ هذه المعركة المفصلية التي انهزمت فيها جيوش المحتل الإيطالي وترتب عليها عزل قيادات عسكرية شهيرة . وكان الإيطاليون قد شكّلوا جيشاً قوامه أربعة آلاف مقاتل بقيادة العقيد الإيطالي (مياني) ، على أن يقوم بدعمه وحماية ظهره الفيلق الليبي وقوامه ثلاثة آلاف وخمسمائة مقاتل بقيادة رمضان اشتيوي السويحلي من مصراته ، إلا انه ما أن بدأت المعركة حتى أصدر رمضان السويحلي أوامره الى رجاله بتوجيه النيران ضد العدو الإيطالي ولم يفلت من الموت سوى العقيد (مياني) والمحيطون به من الضباط ، وكان مقتلة كبيرة وفوزاً عظيماً في العتاد من بنادق ورشاشات ومدافع وغير ذلك من التجهيزات بما في ذلك المرتبات النقدية للجنود ناهيك عن الجمال ووسائل النقل الأخرى والتموين بشتى صنوفه . وما أن تحقق النصر حتى أن إتجه السويحلي برئاسة الجيش (14000) مقاتل إلى مصراته .
وتكتسب معركة القرضابية شهرتها من كونها أكبر إنتصار لحركة التحرر الوطنية للشعب الليبي ، فقد تجذرت وترسخت بذلك المكان ، كما لم يحدث ذلك في أي مكان آخر- الفكرة التي تُجزم بأن قوة الليبيين في وحدتهم ، إذ شارك في المعركة مقاتلون من طرابلس وبرقه وفزان ، وفيها تواءمت جهود السيد صفي الدين السنوسي ممثل برقه والقائد الطرابلسي رمضان السويحلي*
وكان للمعركة نتائج بعيدة الأثر تركت ميسمها وبصماتها على المسار النهائي لنضال الشعب الليبي، فقد ألهمت المجاهدين خوض عمليات حاسمة جعلت كثيراً من الحاميات الإيطالية تُخلي مواقعها دون أن تقوم حتى بمحاولة حمايتها ثم تتجه صوب الساحل ، أما تعزيزات الإيطاليين فكانت قليلة ولا تصل إلى مواقعها إلا متأخرة . وفي يونيو 1915 سقط موقع مزده ، وما هي إلا فترة وجيزة حتى كان الليبيون في (قصر بن غشير) وهي على بعد نحو 25 كم من طرابلس . 


                         ؛؛؛؛ وإلـى اللقــاء
----------------------
* ذاعت شهرة رمضان السويحلي إبان الحرب الإيطالية التركية عام 1911-1912 ثم تعامل بعد ذلك ولفترة قصيرة مع الإيطاليين وهادنهم . ولقد ارتكب العقيد الإيطالي خطئاً مميتاً عندما عندما افترض أن بمقدوره الاعتماد على السويحلي ، وقد كتب المرحوم الشيخ الطاهر الزاوي عن نوايا السويحلي موضحاً أن فكرة الانقضاض على الطليان قد نضجت عند رمضان لدى تشكيله الجيش واتصاله بالقادة السنوسيين في سرت فعندما توجه الجيش إلى هناك أرسل من عنده رسولاً ، واعداً أنه يعتزم الإنقضاض على الطليان أثناء اشتداد إوار المعركة ، وقد برّ بوعده .
(من كتاب جهاد الأبطال- مصر – الفجاله – 1950 ، ص : 148-149)        

الثلاثاء، 14 أغسطس 2012

تابع المؤامرة الكبرى على ليبيا خلال الأعوام (1914-1923) الحلقة السادسة


تابع المؤامرة الكبرى على ليبيا
خلال الأعوام (1914-1923)
الحلقة السادسة                        بقلم : إبراهيم السنوسي أمنينه                                                                                                                               
14-8-2012  
وكان قد رأى بشير السعداوى أن مخططات تركيا لم تكن واقعية إذ كان يعتبر أنه إذا ما بدأت الحرب ، فإن حربها لن تتجه إلا ضد الغزاة الإيطاليين . لأن دخول الحرب إلى جانب دول الإئتلاف ما كان ليحمل أي خير إلى ليبيا ، وكان ذلك هو السبب الذي جعل بشير السعداوى ، حسب ما كتب محمد فؤاد شكري في كتابه (ميلاد دولة ليبيا ، ص: 163) جعله يرفض مرافقة نوري بك إلى برقه. وفي بداية سنة 1915 وصل إلى برقه القائد العام التركي الأعلى نوري بك يرافقه جماعة من الضباط الأتراك في غواصة ألمانية ، وممثل عن هيئة الأركان العامة الألمانية واسمه (ك. مانيّسان) وذلك حسب ما ورد في كتاب : (عمر المختار ضحية الاستعمالر الوحشي ، تأليف : شلبي محمود – القاهرة 1957 ، ص: 163) .
وقد حمل نوري بك معه كمية متواضعة من السلاح والذخيرة والنقود بالإضافة إلى رسالة من وزير الحربية أنور باشا ، وكان من بين مهام نوري بك تنظيم هجوم على مصر من برقه ، ولتحقيق تلك الغاية كانت الخطة تتجه إلى عقد هدنة مع إيطاليا . (ونذكّر بأننا ما زلنا بصدد الحديث عن المؤامرة الكبرى ضد ليبيا 1914-1923) .
ومن إيجابيات الحرب العالمية الأولى التي نشبت ، أنها قد صرفت أنظار قوات الحكومة الإيطالية عن ليبيا بإنشغالها بدورها مع قوات الإئتلاف على جبهات أخرى ، مما حدا بالليبيين للإفادة من إمتداد خطوط المواصلات الإيطالية ومصاعب إيصال الذخائر والتموينات إلى مختلف المناطق فأخذوا يخوضون حربهم لإنهاك الوحدات العسكرية الإيطالية واستنزافها ، ويشنّون الغارات على القوافل والحاميات العسكرية الصغيرة . وراح أحمد الشريف يضع خطة لحصار الفيالق الإيطالية في فزان بهدف قطعها عن جميع أنواع الإمدادات والتموينات أو الأسلحة فأقيم في واحة زلـّة في قلب الصحراء معسكر كبير كان يجتمع فيه المجاهدون من منطقة سرت والجفرة برئاسة السيد صفى الدين السنوسي ، وهو الأخ الأصغر للسيد أحمد الشريف . وليس بمعزل عن الموضوع فقد كتب Mr. John Wright  يقول أن السيد أحمد الشريف كان يدرك أهمية العمليات الفعّالة في فزان وأن هذه المنطقة أخذت تلعب دوراً بالغ الأهمية في الحرب التي كان يخوضها المجاهدون ضد الطليان (LIBYA - ص: 123-1969 تأليف John Wright - London) وبتاريخ 26/8/1914 شنوا أول غاراتهم على الفرقه الإيطالية التي كانت تتجّه عبر مرتفع الحمادة الحمراء فأبادوها عن كاملها .
(نلاحظ هنا أن البرقاويين لم يركّزوا عملياتهم الجهادية في برقه فقط وإنما في مناطق أخرى نائية مثل سرت ونواحيها وفزان بقيادة السنوسيين مثل أحمد الشريف ومحمد صفى الدين فنذكر أن معركة القرضابية ضد الطليان كانت بتخطيط وقيادة السنوسيين – صفي الدين – وصالح لطيوش وأحمد التواتي وعبد الله بن إدريس وعبد الجليل وسيف النصر وغيرهم – هذه المعركة شُبهت بهزيمتهم في (عدوه) بأرتيريا وسمّوها عدوه الثانية) .
ويشير جون رايت John Wright في كتابه Libya ، بأن تلك المعركة كانت بداية النهاية بالنسبة لإحتلال الإيطاليين القصير الأمد لـ فزان ، ص: 134 – من الكتاب المشار إليه سلفاً .
وبعد هذه الغارة صارت الهجمات على القوافل والوحدات الإيطالية تتوالى بصورة مستمرة ، وما هي إلا فترة قصيرة حتى اضطرت الوحدات الإيطالية المتفرقة والمقطوعة عن التموين إلى الإستسلام للسنوسيين الذين كانوا يتمتعون بتأييد أهالي وادي الشاطئ وقبائل التبو والطوارق ، وهكذا سقطت حاميات إدرى وأوباري وسبها ومرزق ، أما غات فلم يخفق العلم الإيطالي فوق صواريها أكثر من أربعة أشهر ثم كان الإيطاليون بعدها مرغمين على الإنسحاب إلى جنوب الحزائر تحت حماية الفرنسيين .
وفي ديسمبر 1914 بدأ قائد القوات الإيطالية في فزان ، ويدعى (مياني) ، بالإنسحاب إلى الساحل ، فأخلى جيشه – الذي ما كان يصل تعداده إلى الألف مقاتل- أخلا (سوكنه) متجهاً إلى مصراته ، وسرعان بعد ذلك ما أضاعوا حتى غدامس . وقد قام سيف النصر قائد فزان – الطاعن في السن – بمقاومة فعّالة ضد الإيطاليين ، ففي يناير 1915 أرسل إبنه أحمد إلى واحة الجفرة لإسترجاع ودّانهونسوكنه – وأرُغمت الوحدات الإيطالية على الإنسحاب من هناك ، واستعادت قوات أحمد سيف النصر كذلك بو نجيم وبني وليد التابعة لقبائل ورفلّه .
وحسب ما يقوله John Wright في كتابه المُشار (Libya – 1969 في الصفحة: 133) أن الشيخ سيف النصر عبد الجليل قد تظاهر في الأول بالتعاون مع الإيطاليين الذين زجّوا به في السجن – ثم في ربيع عام 1914 سمحوا له بالعودة إلى الصحراء (فزّان) من أجل أن يعمل على وقف المقاومة إلا أن سيف النصر خيّب آمالهم .
                            ؛؛؛؛ وإلـى اللقــاء

تابع المؤامرة الكبرى على ليبيا خلال الأعوام (1914-1923) الحلقة الخامسة


تابع المؤامرة الكبرى على ليبيا
خلال الأعوام (1914-1923)
الحلقة الخامسة                                 بقلم : إبراهيم السنوسي أمنينه                                                                                                                               
14-8-2012  
وقد أجبر نشاط الوحدات التركية في الجهة الشرقية من مصر أجبر الانجليز على إتخاذ إجراءات أكثر فعالية لحماية مصالحهم في حوض النيل واستعملوا من أجل ذلك صنيعتهم السلطان حسين كامل كوسيط في المفاوضات مع أحمد الشريف . وفي سبتمبر 1915 أرسل السلطان إلى برقه محمد الشريف ومحمد الميرغني في مهمة لإقناع السيد أحمد الشريف بضرورة عدم القيام بأية أعمال مناهضة للإنجليز ، وحمل الوفد معه رسالة من السلطان المصري وأخرى من المستر ماكماهون MCMAHON والمستر MAXWELL ، وقد وعد الوفد السيد أحمد الشريف بأن تساعده إنجلترا مقابل حياده في قضية استقلال ليبيا وفي الصلح مع الطليان (محمد فؤاد شكري – كتاب السنوسية دين ودولة ، صفحة 165 ، دار الفكر العربي 1948) .
وكانت الخطة الألمانية التركية تتضمن مهاجمة مصر من الشرق عبر قناة السويس ، وكان المتوقع أن تبدأ تركيا ، إلى جانب ذلك ،عمليات قتالية إضافية على الجهة الغربية بإثارة نشاط السنوسيين ضد الانجليز وأن تنظم انتفاضة لبعض القبائل والوحدات العسكرية داخل مصر . ومن أجل ذلك شكلت في تركيا لجنة للوحدات الخاصة * تابعة لوزارة الحربية برئاسة سليمان عسكري بك .
أما الدور الذي لعبته هذه اللجنة في تحقيق التخطيطات الألمانية فيظهر من نموذج مناقشة قضية طرابلس وبرقه خلال إحدى جلساتها : فالشيخ صالح التونسي ، ممثل تونس ، دعا أهالي برقه وطرابلس إلى الاشتراك إلى جانب تركيا في القتال ضد انكلترا وفرنسا وروسيا ، وإتخذ المشاركون في اللجنة قراراً يؤيد مخططات تركيا وألمانيا المتعلقة بإستخدام الأراضي الليبية من أجل الأهداف المشار إليها (محمد فؤاد شكري : ميلاد دولة ليبيا- الجزء الأول ، ص: 43) .

----------------------
كانت هذه اللجنة تضم 40 رجلاً منهم محمد فريد ممثل الحزب الوطني المصري وعبد العزيز جاويش والدكتور أحمد فؤاد المصري (ممثلين عن مصر) والشيخ صالح التونسي ، وعلي باشا ، وهما زعيمان سياسيان (من تونس) (محمد فؤاد شكري- ميلاد دولة ليبيا الحديثة ، الجزء الأول ، ص: 460) ومن المؤسف عدم توفر المعلومات الدقيقة عمن كان ضمن هذه اللجنة من الليبيين ، إلا ان هذه الشخصيات السياسية اللبيبية مثل بشير السعداوي ، وسليمان الباروتي ، وفرحات بك الزاوي ، كانت ذات علاقة مباشرة أو غير مباشرة بهذه اللجنة – حيث أنهم كانوا ينفـذـّون مهمات متفرقة للحكومة التركية .

وبصورة عامة فإن مثل هذه الجلسات كانت تعقد خصيصاً من أجل تدعيم المخططات الحربية الألمانية – التركية عن طريق الدعوة إلى الجهاد باسم تحرير المسلمين والوصول عن طريق ذلك إلى كتم أصوات الاعتراض من جانب الزعماء السياسيين العرب (والليبيين من بينهم) على الزج ببلادهم في ساحة الحرب .
وبعد فترة قصيرة من إعلان الحرب قام أنور باشا بمقابلة بشير السعدواي وقال : (الآن وقد دخلنا الحرب فإن الواجب عليكم يا أهل طرابلس وبرقه أن تشتركوا معنا في القتال ، ولذلك فإن الحكومة التركية تزمع إرسال بشير السعداوي مع نوري بك شقيق أنور باشا إلى طرابلس لتسليم رسالة إلى السيد أحمد الشريف . وكان مؤدى هذه الرسالة ما يلي : إن الدول الائتلافية الثلاث – إنجلترا وروسيا وفرنسا قد أعلنت الحرب على تركيا ، ولذلك قررت هذه الأخيرة أن تبدأ في عملياتها الحربية ضد هذه الدول المذكورة في كل مكان ، وطلب من السيد أحمد الشريف أن يعلن الجهاد بدوره ضد هذه الدول ، وأن يهاجم مصر بشكل خاص (التي يحتلها الانجليز) وأبلغ السيد أحمد الشريف بأن حامل الرسالة إليه سيسلمه المال أيضاً ، كما أعطت الوعود بتقديم الأسلحة والذخيرة ونصّت الرسالة أيضاً على أن السلطان التركي محمد رشاد الخامس قد عيّن السيد أحمد الشريف نائباً عن الخليفة في شمال أفريقيا بلقب الوزير الأول ومنحه الحق في منح المناصب وإعطاء الهبات (محمد فؤاد شكري- ميلاد دولة ليبيا الحديثة  ، الجزء الأول ، ص: 461) وكانوا في استانبول يعتقدون أن ليبيا بداية من سنة 1912 أي منذ توقيع معاهدة أوشي لوزان ، لم تعد مرتبطة بتركيا والحق أنهم كانوا ما يزالون هناك يذكرون اسم السلطان التركي خلال خطب الجمعة ويدعون له حسب العادة من قبل ، وكان تعيين السيد أحمد الشريف نائباً للخليفة في الشمال الأفريقي يعني محاولة العودة إلى الأعراف السابقة لتوقيع معاهدة أوشي لوزان .     

                                                                      ؛؛؛؛ وإلـى اللقــاء