الخميس، 6 سبتمبر 2012

تابع المؤامرة العالمية الكبرى ضد ليبيا خلال الأعوام من 1914- الحلقة الثانية عشر 1923


تابع المؤامرة العالمية الكبرى ضد ليبيا
خلال الأعوام من 1914-1923
2-9-2012                                         بقلم : إبراهيم السنوسي أمنينه                                                                                                                             
الحلقة الثانية عشر               
.... رفض أحمد الشريف شروط القائد البريطاني، ماكسويل وقرّر مواصلة الحملة ولكن من جنوب مصر، حيث كانت العمليات القتالية تتطوّر بصورة ناجحة بدرجة كافية بالنسبة للسنوسيين – وكان يعقد أكبر الآمال في ذلك على السلطان علي دينار وهو من دارفور (السودان) . وكان في ذلك الوقت قد خرج على السلطات السودانية آملاً أن يتخلص من الانجليز بمساعدة تركيا وقد أقام نوري بك، وكان آنذاك في برقة، الصلات المباشرة مع علي دينار الذي أكدّ أحمد الشريف، أنه بصدد أن يعلن الجهاد أيضاً في أقرب وقت .
كانت انجلترا تدرك مدى خطورة اتحاد القوات المعادية لها في إفريقيا فحزمت أمرها على توجيه عدد من الضربات من أجل تشتيت قوات العدو .
وفي مارس 1916 أغار جيش مكون من ألفي مقاتل ممتاز التسليح بقيادة العقيد (KELLY) على منطقة (دارفور)، وفي 23 مايو 1916 سقطت العاصمة (الفاشر) تلاها سقوط السلطان علي دينار قتيلاً في إحدى المعارك في نوفمبر من نفس العام .
وهكذا تلاشت آمال أحمد الشريف بنجاح العمليات العسكرية في جنوب مصر، ففي البداية كانت الأمور تسير هناك بصورة مرضية : فالوحدات السنوسية بقيادة محمد صالح حرب إحتلت سيوه والواحات البحرية الفرافرة والداخلة، لكن الانجليز نجحوا بعد فترة قصيرة في الثأر . ولم تهدأ حركة الأنصار خلال عام 1916 وبداية 1917، وقد ركز حرب قوته الأصلية في منطقة واحة الداخلة إلا أن محاولاته في استمالة شيوخ أسيوط والفيوم إلى جانبه والاعتماد على مساندتهم لم تكلّل بالنجاح . ووُجدت قوات السنوسية المتروكة في هذه الواحات دون تموينات أو أعلاف، وبالإضافة إلى ذلك فقد وجدت نفسها أكثر من مرة مهدّدة بقصف الطائرات الانجليزية التي كانت تنطلق من واحة (الخارجة)، ومع كل هذا، استطاع حرب أن يشغل قوات كبيرة من العدو على حدود مصر، في الوقت الذي كانت هناك حاجة ماسة إلى الجنود والضباط في القوات الانجليزية بمنطقة الدردنيل . ولكي يقضي الانجليز على حرب العصابات (حرب الأنصار) حركوا جيوشهم في اتجاهات ثلاث : من واحات الخارجة إلى واحات الداخلة ومن "عزو الرمّاك" غرب الفيوم للهجوم على الواحات البحرية ومن منطقة منخفض القطارة بشكل يقطع طرق الانسحاب أمام الثوار (المصدر السابق ص 179) .
وبدت صورة انسحاب القوات السنوسية من واحة الداخلة إلى الجنوب الغربي نحو سيوه والجغبوب جلّية للعيان أثر وصول الأنباء عن فشل حملة جمال باشا على قناة السويس – فقد اتضح خطر التطويق ولم يبق من وسائل النقل إلا الشيء اليسير (في نهاية الحملة لم يسلم من 800 جمل إلا 120) فضلاً عن تفشي وباء الكوليرا في 80% من الجنود، ناهيك عن النقص الشديد في التموين والماء . (المصدر السابق : ص 179) وقد تمكن محمد صالح حرب – الذي كان قد عُيّن قائداًَ عاماً أعلى لجيوش أحمد الشريف (السنوسية) من الوصول إلى سيوه، ثم إلى الجغبوب في بداية العام 1917، إلا أن كليهما، صالح، والشريف، وجدا نفسيهما مجبران على مغادرة الجغبوب بعد أسبوع واحد والانتقال بالـ 4000 مقاتل نحو شاطئ البحر الأبيض المتوسط إلى منطقة سرت . وهناك بالقرب من الحدود مع منطقة طرابلس خيّما بمعسكرهما .
وجه من وجوه المؤامرة العالمية على ليبيا
(أورد جون رايت J. Wright في كتابه (ليبيا) 1969 لندن في الصفحة 139) ما يلي : قبل بداية الحرب العالمية الأولى كانت انجلترا قد قامت أكثر من مرة بالتباحث مع إيطاليا في شروط دخول هذه الحرب إلى جانب دول الائتلاف (فرنسا – بريطانيا – أمريكا – روسيا – اليابان) واستطاعت إيطاليا أن تكسب بفضل ذلك ممتلكات ترابية ملائمة بالنسبة لها في إفريقيا، في حال انتصار دول الائتلاف كما نوقشت بين الدولتين قضية العلاقة السنوسية الإيطالية، وكان أول طرح لهذه القضية خلال المناقشات السرية في فبراير 1915 . وقد تم التوصل إلى التفاهم المتبادل والكامل حولها في 31 يوليو 1916 وذلك عندما تم التوقيع المعاهدة الخاصة بهذا الموضوع بين انجلترا وإيطاليا وفرنسا . وقد التزمت هذه الدول بألا تقوم إحداها بعقد أي معاهدة مع السنوسيين دون موافقة الدولتين الأخريين، كما اتفقت على الاعتراف بإدريس السنوسي رئيساً لجماعة السنوسيين، غير أن ذلك لم يكن يعني أنه سيكون حاكماً كما يمكن تسميته بالإمارة ذات الاستقلال الذاتي على الرغم من أن إيطاليا وانجلترا وفرنسا لم تنفي إمكانية إعطاء الجماعة السنوسية الحق في الحكم الذاتي مثاراً لخلافات جدية في وجهات النظر بين الانجليز والإيطاليين خلال المفاوضات، ولما كان الجانب الانجليزي مهتماً بتفادي الخطر السنوسي على الحدود المصرية بأقصى سرعة فقد كان عليه أن يؤكد للإيطاليين بأنه ينظر نظرة سلبية إلى مطالب أحمد الشريف باستقلال ما يسمى بالإمارة السنوسية يعني (برقة) . أما إيطاليا فكانت تطمح إلى الصلح مع ليبيا – إذ كانت جبهتها الغربية بأمس الحاجة إلى المزيد من التعزيزات .

         ؛؛؛؛ وإلى اللقاء في الحلقة القادمة

تابع المؤامرة العالمية الكبرى ضد ليبيا خلال الأعوام من 1914-الحلقة الحادية عشر 1923


تابع المؤامرة العالمية الكبرى ضد ليبيا
خلال الأعوام من 1914-1923
1-9-2012                                   بقلم : إبراهيم السنوسي أمنينه                                                                                                                               
الحلقة الحادية عشر                
.... وتقرّر أن يبدأ الهجوم في الليل ليلة 25-26 نوفمبر 1915 وبأمر من محمد صالح حرب ُضرب وادي (ماجد) – على بعد عشرة كيلومترات جنوب غرب مطروح، أول معسكر حربي للمجاهدين وكان ذلك كله مفاجأة للانجليز الذين كانوا يخافون من انتشار الانتفاضة في المناطق الأخرى .
في ذلك الوقت، كانت الوحدات السنوسية برئاسة جعفر العسكري قد توغلت غرباً في أعماق التراب المصري، واحتلَّت سيدي براني وهناك التقت برجال محمد صالح حرب، وصار الانفجار في هذه الحالة ممكناً في أية لحظة . بل وصار الأتراك يحتفظون بقنابل يدوية في جيوبهم استعداداً لنسف المعسكر إذا انقلب أحمد الشريف عليهم وباءت مشروعاتهم بالفشل (انظر كتاب السنوسية دين ودولة – للدكتور محمد فؤاد شكري ص 174) .
وعندما وصل محمد صالح حرب إلى السلّوم، كان أحمد الشريف مستعداً في الواقع للسير وفق مخططات الأتراك وللصلح مع نوري بك، إذ لم يكن محمد صالح حرب مطلقاً في حاجة إلى إقناع أحمد الشريف بالتخلي النهائي عن مواقفه السابقة بل تمكن في الوقت نفسه من إقناع نوري بك وأتباعه ببذل كل ما في وسعهم لعقد الصلح مع أحمد الشريف ونيل عطفه . وما هي إلا فترة وجيزة حتى كانت جميع النزاعات قد سُويّت، ولو من الناحية الظاهرية وبدأت العمليات العسكرية .
وفي ديسمبر 15 من نفس السنة 1915 حدثت بضعة اشتباكات بين الوحدات السنوسية والقوات الانجليزية (في وادي ماجد وأم الرخم) ثم بعد معركة (بير تونس) اضطر السنوسيون إلى التراجع، على أثر التناقص في الذخيرة والتموينات فضلاً عن سوء تدريب المقاتلين فعقد أحمد الشريف اجتماعاً حضره نوري بك وجعفر العسكري ومحمد صالح حرب وعدد من الشيوخ السنوسيين النافذي الكلمة . ومن خلال غضبه الشديد وجّه أحمد الشريف التهمة إلى الضباط الأتراك بأنهم قد تسّرعوا في الشروع بالعمليات الحربية دون أن يستعدوا لها .
واقترح الأتراك بدورهم الانتقال إلى حرب الأنصار Gorilla war (حرب العصابات) في منطقة الساحل . إلا أن محمد صالح حرب وقف ضد هذا الاقتراح متعلّلاً بأن تلك المنطقة غير صالحه لحرب الأنصار لافتقارها إلى الغابات والجبال، منتقداً خطط الأتراك الإستراتيجية والتركيز على العمليات في الساحل في منطقة السلّوم، حيث كان الانجليز يتمتعون بالتفوق الكبير إذ كان بإمكانهم عن طريق البوارج الحربية أن يقطعوا عمليات الفرق الأرضية وأن يؤتوا بالتعزيزات المطلوبة فور نقصها فضلاً عن أن تلك الساحة المكشوفة كانت تسمح لهم بالإنتقال بالمصفحات والسيارات (ص 176 – د. محمد فؤاد شكري من كتاب السنوسية دين ودولة) (غير أن الكاتب يتحفظ بشدة على رواية شكري هذا لأننا كنا قد قرأنا وأوردنا مواقف متحيّزة للأطراف المصرية في النزاع مثل محمد صالح حرب، وعبد الرحمن عزام (باشا)، وسوف نورد التأكيد على نظريتنا هذه في حينها) انتهى تعليق الكاتب، ونواصل : هذا بينما كان الجيش السنوسي يعاني نقصاً حاداً في وسائل المواصلات إذ كان هناك جمل واحد لكل 8 جنود، وللخروج من ذلك المأزق اقترح محمد صالح حرب نقل العمليات العسكرية إلى الجنوب، وشنّ حرب أنصار هناك، إلا أن نوري بك، وجعفر العسكري أصرّا على عدم ابتعاد الجيوش عن الإسكندرية، يعني عن البحر، أي بقيا متمسكين بالتكنيك السابق (نفس المرجع السابق انظر ص 176، ولاحظ أيضاً إصرار المؤلف على مؤازرة القائد المصري محمد صالح حرب في كافة مواقفه وآرائه رغم فشل تكتيكاته وعدم جدوى اقتراحاته – انتهت ملاحظة الكاتب) .
آنذاك اتخذ أحمد الشريف قراره بتقسيم قواته إلى قسمين واتجهت المجموعة الأولى المكونة من 3500 مقاتل، وهي بقيادة محمد صالح حرب إلى الجنوب إلى واحة (سيوه) وانضم إليها أحمد الشريف نفسه .
أما المجموعة الثانية (6000) مقاتل بقيادة نوري بك وجعفر العسكري فبقيت شمال البلاد وتمركزت في واحة (بير كلاب) .
وفي فبراير 1916 دارت في ذلك المكان معركة رهيبة عرفت بمعركة (العقاقير) شرقي (سيدي براني)، وفيها تم تدمير الجيش السنوسي بالكامل وكان من نتائج هذه المعركة أن تشتت قوات المجاهدين واستطاع الانجليز ملاحقة فلولهم التي توغلت في برقة إلى ما وراء (بير واعر)، واضطرت بقايا فلول نوري بك إلى الالتجاء أخيراً إلى موقع العقيلة ناحية غرب مرسى البريقة، أما الانجليز فدخلوا السلّوم يوم 24/3/1916 واستولوا على معسكر السنوسيين والمجاهدين به بينما جُرح جعفر العسكري ووقع أسيراً لم يتمكن نوري بك إلا بصعوبة من الإفلات من أيدي الانجليز . 
وبتاريخ 24 مارس 1916 - احتلت القوات الانجليزية بلدة السلّوم (نفس المصدر السابق – ص 177) .
كان من المهم بالنسبة للانجليز أن ينهوا الحرب مع السنوسيين بأقصى سرعة ممكنة وذلك لتخصيص الجيوش من أجل جبهات أخرى، ولذلك أستأنفوا مراسلاتهم مع أحمد الشريف . وفي الرسالة الموجهة بتاريخ 8 مارس 1916، طرح القائد ماكسويل (قائد الجيش) جملة من الشروط التي يمكن تنفيذها أن يؤدي إلى عقد الصلح هي : إطلاق سراح الأسرى – إبعاد العسكريين الأتراك والألمان عن البلاد – سحب القوات السنوسية المسلّحة من الأراضي المصرية . غير أن أحمد الشريف لم يقبل تلك الشروط، فماذا فعل ؟
                                ؛؛؛؛ وإلى اللقاء في الحلقة القادمة



تابع المؤامرة العالمية الكبرى ضد ليبيا خلال الأعوام من 1914- 1923


تابع المؤامرة العالمية الكبرى ضد ليبيا
خلال الأعوام من 1914- 1923
29-8-2012                                    بقلم : إبراهيم السنوسي أمنينه                                                                                                                               
الحلقة العاشرة                
أما المناهضة للحرب مع المصريين على الحدود الغربية مع مصر، فكان إدريس السنوسي والمقربون إليه . فقد عرف الإنجليز كيف يستميلون إليهم إدريس الشاب تساعدهم على ذلك المشاعر المناوئة للأتراك في البلدان العربية التي زارها في نهاية 1913 خلال رحلة الحج .
كتب بريتشارد ما نصه (في فبراير 1915 استقبل أي إدريس السنوسي – استقبالاً ودياً من قبل اللورد كيتشنر وأركانه في القاهرة كما قام بزيارة القائد الأعلى للجيش في مصر، ومن الواضح أن إدريس قد أفهم السلطات البريطانية بأن نظرته إلى واقع الأمور تختلف اختلافاً كلياً عن نظرات ابن عمه أحمد الشريف . ومنذ ذلك الوقت صار الانجليز يقفون إلى جانبه في مطالبته بالقيادة في برقة . ويشير بريتشار إلى أن إدريس السنوسي قد اتخذ في القاهرة أصدقاء له بين الانجليز ونشأت فيما بينهم روابط الثقة المتبادلة . وفي نهاية الشهر – فبراير 1915 غادر إلى السلوم في باخرة خفر شواطئ والتحق بالسيد أحمد الشريف في مكان اسمه (امساعد) في شرقي ليبيا) من كتاب (السنوسيون في برقة – تأليف ايفانز بريتشارد – مكاتبة الفرجاني طرابلس 1948، ص 213-214 ترجمة إلى العربية : عمر الديراوي أبو حجلة) .
أما بالنسبة لأحمد الشريف فإنه من خلال رغبته في الابتعاد عن حرب انجلترا اتجّه إلى إغراق نفسه في القضايا الإدارية التي كانت تتطلب الحل منذ زمن بعيد .
فعند بداية الحرب العالمية الأولى كانت برقة قد انشطرت من الناحية العملية إلى شطرين، ولم تكن هناك قيادة إدارية متركزة .
فالإدارة العسكرية الإيطالية كانت في المدن الساحلية والنقاط العسكرية المأهولة بالسكان، بينما كانت النقاط الداخلية من البلاد تحت إشراف السنوسيين .
فقد قام أحمد الشريف بتقسيم البلاد إلى مجموعة من المناطق، وضع على رأس كل منها واحداً من أفراد الأسرة السنوسية، فتسلم إدريس السنوسي إدارة الجبل الأخضر وتسلم محمد عبيد فزان والقبلة أي الجزء الجنوبي من طرابلس، أما أحمد الشريف نفسه فبقي في برقة التي صار مركزها الجغبوب وأرسل أخاه صفي الدين إلى منطقة طرابلس ليقود فيها النضال ضد الطليان. 
وكان أحمد الشريف يقدّر أنه بتقسيم البلاد إلى مقاطعات إدارية سيسهّل بذلك ترسيخ سلطته وبسطها على ليبيا بأسرها .
إلا أن انعدام وسائل المواصلات الضرورية سرعان ما انتهى إلى تخصّص هذه المناطق المنفصلة وتحوّل زعمائها إلى حكام إقطاعيين مستقلين، لذلك فإنه على أثر تسلّم السيد إدريس حق إدارة المنطقة المهمة التي كان مركزها أجدابيا جمع معه وحوله زعماء من السنوسيين المخلصين له، وبدأ بتطبيق نظامه الخاص وقد نجح في ضمان أمن التنقل على الطرق وبالتالي في تطوير التجارة . وإزاء ذلك الوضع المعقد، فإن أحمد الشريف لم يكن قادراً على مراقبة الوضع في الجيش، بينما تمكن الأتراك من تأجيج المشاعر المعادية للانجليز بين الليبيين. وكان ذلك كله يتضمن خطورة جدّية إذ استطاع الأتراك (نوري بك وجعفر العسكري) الضغط على أحد أفراد الأسرة السنوسية وهو (خليل السنوسي) ونظموا بمساعدته عدداً من الاشتباكات على الحدود المصرية . كما كانت الوحدات السنوسية تغيرعلى الأراضي المصرية بحجة جمع الضرائب أو الرسوم الجمركية من القبائل المتوجهة إلى الجغبوب . وراح خليل السنوسي هذا يدعو في زوايا مصر بين الأعضاء السنوسيين من أجل إقناعهم ببدء الجهاد ضد الكفار ليضعوا أحمد الشريف أمام الأمر الواقع .
وكان نوري بك يشكو في رسائله إلى شقيقه أنور باشا بصورة دائمة من أحمد الشريف لأنه لا يوافق على مخططات الأتراك، وأنه يساند الانجليز بصورة سرّية، وكان أنور باشا بدوره يطالب أحمد الشريف بألا يتّلكأ في الهجوم على مصر . ولم يكتف نوري بك بتقديم الشكاوي إلى استانبول بل وجّه رجاله إلى مصر حيث راحوا يشيعون بأن أحمد الشريف ينوي إقامة العلاقات الوّدية مع الانجليز بينما تبذل تركيا كل جهودها لكي تخرجهم من مصر .
وما هي إلا فترة قصيرة حتى صار أحمد الشريف يتلقى أعداداً من الرسائل التي تعبّر عن قلق الأوساط المصرية المعينة من موقفه من الانجليز . وفي نهاية المطاف وجد نفسه وقد جُرَّ إلى الحرب مع الانجليز .
وبدأت الأحداث تتوالى بصورة محمومة بعد أن نقل نوري بك إلى أحمد الشريف أن الضابط الانجليزي رويال Royal (نائب رئيس الحدود الغربية لمصر) قد بدأ نشاطاً تجسسّياً في المعسكرات الحربية في السلوم واقترح إلقاء القبض عليه . وقد كان أحمد الشريف مضطراً إلى الموافقة، وقام نوري بك شخصياً بإملاء نص الأمر على أمين سرّه، ثم أصدر أمره بالزحف على السلوم، وهذا في الوقت الذي كان الشطر الشرقي من السلّوم في أيدي المصريين وكان شطرها الغربي أرضاً برقاوية .
وبغية التضليل الإخباري للانجليز قام نوري بك برشوة الكشافة الانجليز الذين وافقوا على التصريح بأن أحمد الشريف اتخذ قراراً نهائياً بالبدء خلال يومين بالهجوم وأنه يقوم لهذه الغاية بنقل الجيوش عبر الحدود وانتهت تحركات المدفعيين الأتراك التي أخذت تجري في معسكر السنوسية إلى إقناع SEBNO CYCIL SNOW بأن هذه المعلومات تطابق الواقع، فاتخذ الأخير قراراً بالانسحاب من السلّوم إلى مرسى مطروح . ولم تسفر محاولات أحمد الشريف للاتصال مع SEBNO وتوضيح الأمور عن أية نتيجة، ورغم كل ذلك فإن مستشاري أحمد الشريف كانوا يحاولون إقناعه بالانضمام إلى الحملة العسكرية ضد الانجليز لكي يقطع الإشاعات المنتشرة والتي تزعم بأنه مأجور من قبلهم . وفي ذلك الوقت كان معظم الجيش قد وقف في صف نوري بك . فبدأ المناصرون للأتراك بإطلاق النار على القوافل التجارية التي كانت تنقل المواد الصناعية والغذائية إلى السلّوم وفي الوقت نفسه وصلت إلى الخليج غواصتان ألمانيتان مشحونتان بالجند والأسلحة وقد أفرغتا حمولتيهما في قرية البردى وقامت إحداهما بإغراق باخرتين تجاريتين للانجليز بالقرب من السلّوم، وألقى السنوسيون القبض على البحارة الانجليز وأرسلوهم إلى زاوية (القريات) البعيدة، وأقنع ذلك كله أحمد الشريف بأن جهوده التي كان يبذلها لتفادي الحرب، ضاعت سدى .
وبعد انسحاب الانجليز من السلّوم إلى مرسى مطروح سارعوا إلى تشكيل جيش قوامه 30 ألف مقاتل وقامت القيادة الانجليزية بتحذير نوري بك بأنهم سيكونون مضطرين إلى اتخاذ الإجراءات المناسبة إذا ما أقدمت الجيوش السنوسية على التحرك شرقي سيدي البراني .
ويقول د. محمد فؤاد شكري في الصفحة 172 من كتابه (السنوسية دين ودولة – دار الفكر العربي 1948) ما يلي :
ولكي يؤخر أحمد الشريف من موعد نشوب الحملة العسكرية أرسل جعفر العسكري إلى الخطوط الأمامية، ولكن بدلاً من أن يقوم هذا بتنفيذ المهمة التي أرسل من أجلها، فإنه قام بتنظيم هجمات ضد الانجليز . وبعد ذلك وجد أحمد الشريف نفسه مضطراً إلى التصريح لنوري بك بما يلي : (ها أنذا حاضر للمسير فلا تقدر أن تقول أن العائق كان مني وإنما إذا فشلت هذه الحملة فلا أكون أنا المسئول) .
وفي أشد اللحظات توتراً اتخذ المصري محمد صالح حرب حاكم مرسى مطروح قراره بإعلان الجهاد ضد الانجليز، ولم يكن، عند بدئه للهجوم، يعقد الآمال على جنوده وضباطه فحسب، بل وعلى انتفاضة قبيلة أولاد (علي) والتي كانت تعيش على الحدود الشمالية الغربية والتي كانت قد أجلتها قبيلة العبيدات، أبناء عمومتهم عن ليبيا أيام حكم القرماني منذ حوالي قرنين من الزمان .
               ؛؛؛؛ وإلى اللقاء في الحلقة القادمة